بسم الله الرحمن الرحيم
-
دولة السيد رئيس مجلس الأمة و أخي العزيز،
-
دولة السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني وأخي الفاضل،
-
أصحاب السعادة السفراء المعتمدين بالجزائر،
-
حضرات ممثلي الأحزاب القادمين من الدول الشقيقة و إخواني الأعزاء،
-
آباءنا من قيادة المنظمة الوطنية للمجاهدين،
-
السيدات والسادة رؤساء الأحزاب الوطنية،
-
السيدات والسادة مسئولو وممثلو المنظمات الوطنية،
-
السادة رؤساء جمعيات أرباب العمل،
-
السيدات والسادة مسئولو وممثلو الإعلام،
-
إخواني أخواتي المؤتمرين،
-
ضيوفنا الكرام،
-
سيداتي سادتي،
أصالة عن نفسي ونيابة عن المشاركين في المؤتمر العادي الثالث للتجمع الوطني الديمقراطي أستهل كلمتي هذه بأحرِّ الترحيب بجميع ضيوفنا الذين
شرّفونا بحضورهم في هذا الحدث الهام في حياة حزبنا.
وأتوجّه إليكم سيداتي سادتي المؤتمرين، لأقول لكم مرحباً في بيتكم ولقائكم وأخصّ بتحية مميزة إخواني و أخواتي مؤسسي حزبنا الموجودين معنا
كما أتمنى الشفاء التام وطول العمر للبعض منهم الذين حرمنا من حضورهم جرّاء المرض.
ولا تفوتني هذه المناسبة دون أن أزفّ التحية لعشرات الآلاف من مناضلينا ومناضلاتنا الذين لم يسعفهم الحظ للمشاركة في هذا المؤتمر
وأنتم تنوبون عنهم أحسن مناباً.
كما نجدد معاً ببالغ الحزن والألم أخلص تعازينا لعائلة شقيقنا الفقيد محمد حمامة مناضل من ولاية الشلف الذي فارقنا خلال أشغال
المؤتمر الجهوي بالجزائر العاصمة يوم الثاني عشر من هذا الشهر .
وأغتنم هذه المناسبة لنترحّم مرةً أخرى على أرواح أولئك الأمجاد شهداء ثورة نوفمبر ولنجدّد تقديرنا وعرفاننا لأبائنا المجاهدين البواسل.
فإن الحرية التي استعادها شعبنا والتي ننعم بها اليوم هي ثمرة تضحياتهم الجسام.
وننحني أيضا أمام أرواح شهداء الواجب الوطني الطاهرة. إن مقاومتهم الوطنية ضد الإرهاب الهمجي هي التي سمحت ببقاء الجمهورية ثابتة وبالحفاظ
على الديمقراطية في الجزائر.
وبنفس هذه المناسبة نعبّر مرة أخرى عن عرفاننا لقوات أمن بلادنا وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي وكذا للمقاومين أفراد الدفاع الذاتي
ولكل الساهرين على أمن المواطنين والممتلكات صامدين متصدّين للمجرمين والخونة والمرتزقة الذين يحاولون يومياً سفك دماء الجزائريين .
فبفضل هؤلاء الرجال والنساء الواقفين ستقضي الجزائر لا محالة على بقايا الإرهاب الذي أعطى ظهره لليد التي مدّها له شعبنا في
إطار المصالحة الوطنية.
إخواني أخواتي المؤتمرين،
سيداتي سادتي،
سيعود لجمعكم السيّد هذا، مسؤولية تقييم مسيرة حزبنا منذ انعقاد مؤتمره الثاني.
غير أنه وفي إطار المسؤولية التي شرّفتموني بها خمس سنوات قبل اليوم والتي أعيد أمانتها إليكم من واجبي عرض حصيلة موجزة لتطور تجمعنا
الذي رسّخ نهائيا مكانته وصورته لدى الرأي العام الوطني.
وبالفعل لقد أكّد حزبنا يوميا نهجه النوفمبري الوطني الديمقراطي والجمهوري من خلال وضعه دوما المصلحة الوطنية فوق أيّ اعتبار كان وكذا عبر
التزامه الثابت باستكمال مسار التقويم الوطني.
وفي الواقع، ومن خلال هذا الثّبات نكون قد أكّدنا تمسّكنا بالتزام الشهيد عبد الحق بن حمودة رحمه الله والذي اغتاله الإرهاب الوحشي
وهو عاكف على وضع ركائز ما أصبح بضعة أسابيع بعد ذلك، التجمع الوطني الديمقراطي تحت رئاسة الأخ عبد القادر بن صالح.
وحتى لا ننسى أبداً، فلْنتذكر قول الشهيد بن حمودة أثناء الندوة الوطنية الاقتصادية الاجتماعية المنعقدة في شهر سبتمبر 1996، وأقتبس
″ لا ديمقراطية ولا تنمية ولا تقدّم إلا تحت سقف الجزائر، الجزائر التي نعيش لها، الجزائر التي نستشهد من أجلها
″.
لقد بقي التجمع طيلة إحدى عشرة سنة وفياً لهذا الخيّار الذي ينبع من رسالة نوفمبر 1954.
لقد ثبت حزبنا على هذا الخيار بجانب المجاهد الرئيس اليمين زروال الذي نزف له تحيات الاحترام والتقدير.
كما بقي حزبنا ثابتاً على نفس الخط إلى جانب المجاهد عبد العزيز بوتفليقة منذ سنة 1999 من أجل انتخابه على رأس الجمهورية
ولتجديد عهدته سنة 2004 وكذا من أجل إنجاح المجهودات التي بذلها في خدمة بلادنا على وجه الخصوص.
نعم، إنّ الالتزام من أجل مصير شعبنا لا يمكنه أن ينحصر في المواعيد الانتخابية فقط. إنّ مصير الجزائر التي تضمّد جراحها
وتستعيد بناءها هو أمر يتطلب تجنيدا يومياً بغية استكمال تقويم الوطن.
نؤكد اليوم كذلك أن تجمعنا لم يؤسّس لإضافة فضاء للنضال فقط. فعندما تأسس حزبنا كانت للجزائر أحزاب عديدة ومحترمة. إن تأسيس هذا التجمع كان
من أجل قضية نبيلة وهي استكمال تجسيد رسالة نوفمبر كلياً. تلكم هي القضية التي سخرنا لها كل طاقاتنا والتي سنظلّ في خدمتها دون أيّ حساب كان ودون انتظار أيّ شكر أو جزاء
كان.
ومن منطلق هذه القناعة الراسخة، نؤكّد دعمنا لمساعي وجهود السيد رئيس الجمهورية الأخ عبد العزيز بوتفليقة. نؤكد له دعمنا الصادق
والثّابت داخل مؤسسات البلاد وفي صفوف التحالف الرئاسي، وأيضاً، كعائلة سياسية ستظل بجانبه خاصة عند المواعيد السياسية الكبرى التي نقترب منها.
باسمكم جميعا، سيداتي سادتي المؤتمرين، أنوّه بالمساهمة الخالصة لمناضلينا أعضاء الحكومة وإطارات الدولة في مختلف الدوائر من أجل تجسيد
برنامج السيد رئيس الجمهورية.
كما أنوّه بثبات ممثلينا في غرفتي البرلمان وفي المجالس المحلية في خدمة الجزائر بعيداً عن أيّ حساب حزبي، وبعيداً عن أيّ
مزايدة شعبوية.
وأحيّي باسمكم كذلك، أعضاء المجلس الوطني والمكتب الوطني على المقترحات الملموسة التي عرضوها على شعبنا من أجل إحداث تنمية
مرتكزة على العقلانية والديمومة.
باسمكم سيداتي سادتي المؤتمرين، أعبّر عن عرفاننا للناخبين عن ذلك التقدير الذي أعربوا عنه تجاه مساهمات ومواقف
حزبنا.
نعم، لقد أحرز تجمعنا زيادةً تقدر بنسبة 30% من حيث عدد الأصوات التي تحصل عليها في التشريعيات الأخيرة مقارنة بسنة 2002، وهو ما أدّى إلى ارتفاع عدد مقاعدنا بالمجلس الشعبي الوطني بنسبة 25%.
كما سجل حزبنا ارتفاعا في عدد البلديات التي يترأسها بنسبة تقدر بـ 60%
مع إحراز تقدم يقدّر بخمسة أضعاف فيما يخص عدد المجالس الشعبية الولائية التي يتشرف برئاستها.
إخواني، أخواتي المؤتمرين،
سيداتي سادتي،
أكتفي بهذا فيما يتعلق بحزبنا، لأنّ التقييم الشامل هو من مسؤولياتكم ويخضع كذلك لقراراتكم السيدة. لذا، أنتقل الآن إلى الأوضاع السائدة في
البلاد وفي العالم أيضاً منذ مؤتمرنا السابق، لكي أستخلص من ذلك بعض الملاحظات الخاصة بمستقبل وطننا.
ففيما يتعلق بالوضع العالمي، لا أتردّد في القول إنه لم يسجّل أيّ تحسن منذ شهر ماي 2003.
وهكذا، في ربوع أمتنا العربية، لقد غرق العراق الشقيق في أزمة دامية جرّاء احتلال أجنبي تبتعد نهايته كلّ يوم، احتلال نستنكره دوماً وفي
نفس الوقت نؤكد تمسّكنا باحترام السيادة والاستقلال والوحدة الوطنية للعراق الشقيق الذي قدّم الكثير للثورة الجزائرية.
كما يعاني شعبنا في فلسطين قمعاً وحشياً حوّل قطاع غزة كلّه إلى سجن عملاق. ويستمر إنكار حق الشعب الفلسطيني في تأسيس دولة مستقلة وسيّدة
وذلك رغم الاتفاقيات المبرمة وفي ظل صمت متواطئ للمجموعة الدولية. ولأشقائنا في فلسطين المجاهدة، نلخص كل مشاعرنا في القول إنّ قضيتهم كانت، لازالت، وستظل مقدسة بالنسبة لجميع الجزائريين
والجزائريات.
وفي جوارنا المغاربي، نسجل بكل أسف شلل اتحاد المغرب العربي، شأنه شأن تعطيل مسار تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية رغم الالتزامات التي
سجّلت أمام مجلس الأمن وتحت ضمانة هذه الهيئة الأممية. إننا على قناعة بأنّ الحلّ النهائي والعادل لنزاع الصحراء الغربية طبقاً لمخطط السلام الذي وافقت عليه وأمضته عدة مرّات، المملكة المغربية وجبهة
البوليزاريو - الممثل الشرعي للشعب الصحراوي- هو أمر من شأنه أن يعبّد الطريق أمام بناء وحدة مغاربية مرتكزة على احترام حقوق جميع شعوب المنطقة دون أيّ استثناء.
أما في الفضاء المتوسطي، فلقد اثبت مسار برشلونة شلله. واليوم نرى معالم مبادرة جديدة ترتسم تحت إسم » وحدة من أجل المتوسط « وإننا على قناعة أن مستقبل
هذا المسعى الجديد مرهون باحترام المبادئ الأساسية الآتية:
وهنا يتعلق الأمر، أولاً، بتكريس حقوق الشعب الفلسطيني لأنّها حقيقة لا يمكن تجاهلها.
وفي المقام الثاني والأخير، على هذه المبادرة الجديدة أن توضّح أهدافها في ظل احترام متبادل وفي إطار مصالح متساوية بين جميع الأطراف
المعنية.
وفي انتظار هذه التطورات المنشودة، فإن الجزائر عاكفة على الاستمرار في تفتّحها على العالم من خلال شراكتها مع الاتحاد الأوروبي وكذا
مفاوضاتها الرامية إلى الالتحاق بالمنظمة العالمية للتجارة.
لقد أصبح العالم المعاصر مصدر المزيد من القلق وخاصة في الجانب الاقتصادي. فإنّ تناقضاته تعرقل نهضة إفريقيا رغم عرضها للشراكة
من خلال » النيباد « وكذا رغم الوعود التي تقدّمت بها المجموعة الدولية نحو قارتنا في إطار » أهداف الألفية للتنمية «. بل أسوء من ذلك، فإن عالم اليوم يعرّض العديد من الشعوب إلى
مخاطر المجاعة وذلك يؤكد ضرورة مراجعة المسار الجماعي لعالمنا المعاصر.
وبالفعل، لم تفلح العولمة إلى حد الآن إلاّ في تقوية طغيان الأموال متعددة الجنسيات ورصيدها من المضاربات وذلك حتى على حساب اقتصاديـات
الـدول المتقدمة. ولم تفضي هذه العولمة أيضاً سوى إلى انتشار أكثر سرعة للاضطرابات والأزمات الاقتصادية التي لم تسلم أية دولة من مخاطرها، بما في ذلك الجزائر.
إخواني، أخواتي المؤتمرين،
سيداتي سادتي،
عند الحديث عن بلادنا، نرى من الواجب بدايةً، أن نسجل تقدّمها رغم المصاعب القائمة حتى الآن.
وبالفعل، ورغم العمليات الإرهابية المعزولة، لا يمكن لأيّ كان أن يجادل حول نجاح المصالحة الوطنية التي جاءت تكملةً للوئام
المدني.
نعم، أَوَلاَ نَتذكّر تلك المجازر التي أغرقت شعبنا في الأحزان عشرية قبل اليوم فقط؟ كان واجباً على الجزائر أن تستأصل الإرهاب،
والمصالحة الوطنية هي إحدى الوسائل لبلوغ هذا المبتغى مع تضميد جراحها في نفس سياق المسعى.
إن تجمّعنا، الذي يحتضن عدداً كبيراً من ضحايا الإرهاب والعديد من المقاومين الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الوطن وكذا الكثير من الإطارات
الذين ساهموا في بقاء دولتنا واقفةً وسط العاصفة، إنّ هذا التجمع يمكن له أن يشهد بأنّ المصالحة الوطنية أتت حقّاً بنتائج ملموسة.
وإن حزبنا الذي كافح وسيواصل مكافحة الإرهاب، ينوّه بالشجاعة السياسية التي تحلّى بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في قيادة شعبنا نحو
المصالحة الوطنية التي تبنّتها أمّتنا بأغلبية ساحقة.
ومن جهة أخرى، فإن تجمّعنا الذي يضمّ في صفوفه الكثير من الإطارات والمسؤولين الذين ساهموا في تسيير شؤون بلادنا في مرحلة عصيبة جرّاء أزمة
متعددة الأشكال يريد أن يسجّل اليوم التطوّرات المحقّقة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
نعم أيها الإخوة، بعد الإهانة الوطنية المتمثلة في إعادة الجدولة في العشرية الفارطة بسبب تسيير غاب عنه الوعي، والتي واكبتها إعادة هيكلة
أليمة اجتماعياً، فإنّ الجزائر تسجل اليوم، تسديداً مسبقاً لمديونيتها الخارجية التي لم يتبقّ منها إلا قسطاً ضئيلاً وهذا مع الحفاظ على وضع مالي يجعلنا في مأمن لبضعة سنين. صحيح
أن ذلك يعود إلى ارتفاع أسعار النفط لكن الفضل في ذلك يعود أيضاً إلى خيار الحكمة والتبصر.
ومن جهة أخرى، فإنّ مئات المؤسسات التي أرغمت على الزّوال أعقبتها اليوم آلاف الاستثمارات التي انطلقت أو التي دخلت مرحلة
الإنتاج.
وبعد مرحلة تدمير المنشآت المختلفة التي يحاسب عليها الإرهاب الهمجي وذلك في وقت لم تكن فيه بلادنا تمتلك إمكانيات إعادة
بنائها، تتلاحق اليوم برامج عمومية تنموية ضخمة تقترب الآن، كُلفتُها الإجمالية من 200 مليار دولار دون اللجوء لأي اقتراض من الخارج.
ويسعنا أن نضيف لذلك كله، أن الجزائر تمكّنت من معالجة آثار زلزال ماي 2003 في ظرف بضعة سنين فقط وهو الأمر الذي لم تتمكن من
تحقيقه بعد زلزال سنة 1980 رغم أن سعر برميل النفط كان آنذاك في حدود 40 دولار.
إنه من الممكن سرد المزيد من الأمثلة التي تدلّ على التطورات المسجّلة في الجزائر خلال العشرية الماضية وخاصة أثناء الخمس
سنوات الأخيرة سواء الورشات التي فتحت أو الإصلاحات التي انطلقت.
لكن الحرص على قول الحقيقة بشأن هذه الإنجازات يفرض علينا كذلك طرح بعض الأسئلة: هل كل شيء يسير على أحسن ما يرام؟ هل وصلت الجزائر إلى حد
التحرّر من التبعية الاقتصادية المفرطة للخارج؟ هل تمكّنت البلاد من تحرير مواطنيها من التبعية شبه الكلّية لمساعدات الدولة؟ هل يعني أن جميع الجزائريين ينعمون بالعيش الرغيد في حياتهم اليومية وهم
مطمئنين على المستقبل؟ الجواب على هذه التساؤلات كلها هو طبعا بـ لا.
إن الجزائر تبقى حتى اليوم، وبصفة كلّية، رهينة مداخيل النفط لا غير وذلك حتى في ضمان غذائنا المستورد. إننا ننظر بألم إلى شباب جرائريين
يختارون الانتحار في عرض البحار من جراء اليأس القاهر. إنّ الجريمة والآفات الاجتماعية تنتشر أكثر فأكثر كلّ يوم عبر كل ربوع الوطن وتصل حتى إلى القرى المعزولة، في الوقت الذي ينكب فيه البعض على
تكديس ثروات ناجمة عن سلوكات لا شرف فيها.
إن البيروقراطية تتعنّت في فرض أثقالها على الجميع وترفض حتى الآن التكيّف مع الإصلاحات الجارية لكي تصبح في خدمة المواطن بحق وبفعالية،
كما تبقى هذه البيروقراطية عائقاً أمام الإستثمار ومن ثمة أمام خلق المزيد من الثروات وخلق مناصب الشغل الضرورية لمواجهة البطالة التي تثقل كاهل المجتمع ولاسيما الشبيبة.
تلكم هي إذًا جملة من الحقائق التي تسجلها بلادنا اليوم، حقائق فيها العديد من أوجه التقدّم ولا يمكن لأحد أن يحجبها،
حقائق تشمل كذلك مشاكل عويصة تعرقل مستقبلنا الجماعي.
إنه من غير الممكن أن نتطلع إلى المزيد من التحسّن بفضل مجهود شخص بمفرده، مهما كانت صفته أو مكانته، وهنا نعترف للسيد رئيس الجمهورية
على نداءاته المتكررة لإحداث وثبة منقذة تتطلّب مساهمة الجميع.
كما يجب علينا الاعتراف بأنه من المجحف أن نعتقد بأن تقدّم وطننا مرهون بمجهودات الحكومة فقط، فمن يدّعي ذلك يعني أنه ينكر الغاية من
الديمقراطية التي ترمي إلى مشاركة الجميع، وينكر كذلك مبادئ اقتصاد السوق الذي يرتكز على مساهمة كل واحد منا من أجل تحقيق الانتصار في معركة المنافسة.
وهنا استسمحكم لتوضيح هذا التصوّر من خلال بعض الملاحظات.
إخواني أخواتي المؤتمرين،
سيداتي سادتي،
أولا: لقد عاشت بلادنا أزمة عميقة لا تقيّم انعكاساتها من خلال عدد الضحايا أو حجم الخسائر
المادية فقط. إنها أزمة ضربت المجتمع في روحه، أزمة خلّفت آثاراً سلبية في السلوكات، أزمة مسّت حتى ثقة مجتمعنا في نفسه. ومن غير الممكن تجاوز أزمة مجتمع دون مشاركة جميع أفراده.
فعلينا أن لا نسقط في مغبّة النسيان، ليس بقصد تغذية الأحقاد بل لكي لا ننسى أن كلّ أزمة قابلة للعودة إذا لم نستخلص جميع دروسها. لا يمكن
للجزائر أن تتقدّم إذا ما تجنّد فيها البعض فقط للعمل وبقي البعض الآخر حبيس الانتقاد من أجل الانتقاد. لا يمكن للجزائر أن تقوّم أحوالها طالما بقي فيها البعض يعاني، في حين يزداد البعض الآخر ثراءً
بطرق غير شرعية. لا يمكن للجزائر أن تبنى بالإتكال على الدولة فقط والمطالبة بالحقوق دون تحمل الواجبات. لا يمكن للجزائر أن تتقدم في أجواء الفوضى والمزايدات. لا يمكن أيضا للجزائر أن ترتقي بتهميش
طاقاتها المحلية والإتّكال على تصوّرات يضعها الآخرون من الخارج خدمة لمصالحهم قبل كل شيء.
ثانيا ً : أمام التحدّيات الراهنة وكذا تحدّيات المستقبل، لا يمكن للجزائر أن تصل إلى برّ
النجاة في ظلّ الصّراعات الإيديولوجية. فلا الإنطواء على الماضي ولا التنكّر للهوية بقصد التقليد، ولا الهرولة الدغماتية تجاه الانفتاح الاقتصادي ولا حتى الشعبوية بإمكانها جميعاً أن
تأتي بأيّ حل كان لمشاكل بلادنا.
بل عكس ذلك كله، علينا أن نتسلّح بالشجاعة لنواجه واقعنا، واقع لا يزال صعباً، والرهان في هذا كلّه هو مصير شعب لم يستطع إسعاده كلياً
اليوم ذلك النفط المتوفر حاليا وهو ثروة زائلة حتماً.
فلا يحقّ لنا أن نكرّر يومياً أن الجزائر غنية بشبابها وفي نفس الوقت لا نعتني بالتحضير الجدي لمستقبل البلاد، مستقبل سيشكل غداً، الواقع
اليومي لشباب اليوم.
إنّ مستقبل أي شعب كان، يرتكز على التوارث بين الأجيال. فنحن في الجزائر ورثنا الحرية بفضل تضحيات أسلافنا، وعلينا أن نتساءل ما هو الإرث
الذي سنتركه للأجيال الصاعدة.
علينا أن نستيقظ من أوهامنا لنواجه حقيقة مرة وهي أنه دون عائدات النفط لا يمكن اليوم أن نضمن حتى غذاءنا الذي يرتكز على
الاستيراد المكلف، كما لا يمكن للدولة حتى ضمان أجور أعوانها.
علينا أن نستفيق من وهم» البحبوحة
المالية « وأن ندرك جميعاً أنّ مستوى نفقات الدولة حاليا قد وصلت إلى ما يفوق مداخيل الخزينة العمومية على أساس
سعر يقدّر بأزيد من 60 دولار للبرميل، كما أنّ مستوى احتياطي الصرف حالياً لا يساوي كلفة جميع المشاريع العمومية التي انطلقت في الميدان.
علينا أن نقتنع بان الحكم الراشد لا ينحصر في صرف موارد النفط فقط. فهو قبل كل شيء تقديم خدمات عمومية ذات جودة كمقابل للأجر المدفوع وأنّ
الحكم الراشد يعني كذلك الحرص على ممارسة رقابة فعلية في فائدة المواطنين وكذا المنتجين، والحكم الراشد هو أيضاً فرض سلطان القانون على الجميع ولفائدة الجميع.
علينا أن نتذكر أنّه في أيام المحنة الوطنية التي عاشتها الجزائر كلها سنوات قليلة فقط قبل اليوم، لم يكن بوسع أحد أن ينعم بثروته ومن
ثمّة، علينا أن نقتنع بأنّه لا معنى لرخاء البعض دون استقرار اجتماعي نابع من رفاهية يتقاسمها الجميع. ولذا يجب على البعض أن يقتنع بأنّ الثروة الحقيقية لا تبنى أبداً على حساب الاقتصاد
الوطني وبطرق التحايل المختلفة.
علينا أيضاً أن ندرك بأنّه لا يوجد شعب في العالم كلّه يمكنه المطالبة بالحقوق دون تحمّل الواجبات، كما أنّه لا يمكن ضمان أيّ سياسة
اجتماعية دون ضمان ثروات حقيقية ومستدامة.
تلكم هي سيداتي سادتي، الحقائق المرّة التي يجب علينا أن ندركها جميعاً لكي نعيد الاعتبار للعمل كوسيلة دون سواها، لضمان حياة كريمة
مستديمة. تلكم هي الحقائق التي يجب علينا التكفّل بها كذلك لنعيد الاعتبار حقاً للحس المدني في مصلحة الجميع، حس مدني يلزم في المقام الأول من لهم شرف تسيير الشأن العام والمال العمومي
بالسلوك المثالي. وإنّ تغييب هذه الحقائق سيعرّضنا إن آجلا أم عاجلا، إلى خطر عودة التجارب المرّة التي عشناها عشرين سنة فقط قبل اليوم.
ثالثاً وأخيراً: إنّ مثل هذه التحدّيات تستلزم مساهمة الجميع. فعلى النخبة الوطنية أن توضّح
لشعبنا معالم المستقبل، شعبنا الذي أصبح في حيرة حقيقية أمام تحولات متعددة ومتسارعة. وعلى الطبقة السياسية أن تساهم بنقاش ثري ومتعدد الآراء، نقاش تكون غايته الوحيدة رعاية المصلحة الوطنية
المشتركة.
إن النقاش السياسي الذي نؤمن به هو العمل المشترك الذي يهدف إلى إجماع وطني ينطلق أولاً من مواطن ضعفنا ويرمي إلى استغلال قدراتنا الهائلة.
ذلكم هو المسعى الوحيد الذي سيؤدّي إلى تجنيد الجميع وإلى مصالحة الجزائريين والجزائريات دون استثناء، مع الذات ومع الوطن.
فمثل هذه المصالحة الوطنية الشاملة والحقيقية لا يمكن أن تتجسّد إلاّ إذا كانت نابعة من أعماقنا جميعاً كوثبة وطنية متجدّدة وسلمية هذه
المرّة، بعد تحرير الجزائر منذ أكثر من أربعين سنة وبعد إنقاذ الوطن عشر سنوات قبل اليوم. إنّها وثبة متجدّدة غايتها تحقيق دفع أقوى للبناء الوطني، دفع سيؤدّي بعون الله إلى تحرير الجزائر، هذه المرة من
فرط تبعيتها للنفط ومن هشاشة المستقبل الوطني.
تلكم هي الضريبة المطلوبة منا جميعاً، للحفاظ على السيادة الوطنية وتمكين شعبنا من الالتحاق بركب الشعوب المتقدمة وجعل اقتصادنا الوطني
يتبوأ مكانته في ظل منافسة عالمية شرسة.
إخواني أخواتي المؤتمرين،
ضيوفنا الكرام،
سيداتي سادتي،
يحقّ لعائلة التجمع الوطني الديمقراطي أن تفتخر دون مزايدة بكونها تحمّلت قسطها من الواجب الوطني بكلّ شجاعة عندما كان
الوطن مستهدفاً من قبل همجية الإرهاب وعندما كانت الجزائر جريحة ومهدّدة في استقرارها.
واليوم، في كنف السّلم المستتب وفي ظلّ الأمل الذي أحياه شعبنا، إنني على قناعة تامّة بأن هذه العائلة السياسية التي أتشرّف
بالانتماء إليها، عائلة بوسعها أن تتحمّل من جديد نصيبها من الواجب الوطني.
إن عدوّنا الأول اليوم ليس هو خبث الإرهاب الإجرامي الذي يجب مقاومته والذي هو محكوم عليه بالزّوال، وإنما عدوّنا الأخطر يكمن في مواقع
ضعفنا وكل العوامل التي كانت بالأمس سبباً في المأساة الوطنية.
إنّ عدوّ الجزائر لا يوجد بين صفوف شعبنا الأبي. فعندما يتعلق الأمر بالإسلام، ديننا الحنيف، فكلّنا مسلمون باعتزاز. وعندما يتعلق الأمر
بالتمسّك بالكرامة والعدالة، فإنّها قيّم ورثناها جميعاً عن أسلافنا الأشاوس. وعندما يتعلق الأمر بالوطن، فإنّنا جميعاً، جزائريون أبناء وبنات الجزائر الحبيبة.
ومن ثمّة، نجزم بأنّ عدوّنا القاتل يوجد في ذهنياتنا اسمه اللامبالاة والرداءة والأنانيات الشخصية على حساب الجماعة وعلى حساب مصالحنا
المشتركة، أنانيات فردية على حساب الوطن.
إن الانتصار على مثل هذا العدو لا يتطلّب اليوم التضحيات الجسام التي قدّمها الكثير من
أبناء شعبنا كي تحيا وتبقى الجزائر. إنه انتصار يتطلّب منا فقط، العزم على الجهاد الأكبر واستيقاظ جميع الضمائر، وتجنيد جهد الجميع، كما يتطلّب منا إحياء الروح الوطنية فعلاً في خدمة البناء
الوطني.
إنّها معركة تهدف إلى تجسيد كليّ لحلم شهدائنا الأمجاد ومجاهدينا الأبطال عبر الانتصارعلى التخلّف وتحرير الجزائر من التبعية والهشاشة وكذا
تحرير جميع الجزائريين من طغيان الفقر.
إنه تحدّي يهدف كذلك إلى الحفاظ على إرث شهداء الواجب الوطني لكي تبقى الجزائر دوما ديمقراطية، جمهورية، شامخة، جزائر تحقّق طموحات شبابها
إلى الحياة في الازدهار والتقدّم والعصرنة، شبيبة تفتخر بانتمائها لبلد كبير، شبيبة تعتز بثقافتها وبأصالتها العريقتين.
وفي الأخير أتمنى كل النجاح والتوفيق لمؤتمرنا وأشكركم جميعا على الصبر الجميل وكرم
الإصغاء.
والسّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.